أثار إجراء دولة الاحتلال طرد مدير منظمة حقوق الإنسان الدولية “هيومان رايتس ووتش” عمر شاكر من الأراضي الفلسطينية، اهتمام حقوقيين ومراقبين لتطور المسلك الإسرائيلي المتعلق بانتهاكات الدولة العبرية تجاه منظمات حقوق الإنسان، والعاملين في هذا القطاع، ودور السلطة القضائية في “شرعنة” هذه الانتهاكات، في دولة تقدم نفسها كـ”ديمقراطية” متفردة ووحيدة في المنطقة.
وفي استعراض له للجرائم والانتهاكات الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني، وشعوب المنطقة، إضافة للانتهاكات بحق الشهود على هذه الجرائم من حقوقيين وإعلاميين، ينقلون للعالم المشهد على حقيقته، يؤكد الدكتور عصام يوسف، رئيس مؤسسة نزاهة الأعمال الإنسانية والحقوقية (الحياة حق)، على أن “ديمقراطية” دولة الاحتلال الإسرائيلية “انتقائية”، ويعتريها الزيف في العديد من أركانها وأنظمتها وتفاصيلها، حيث لا تستطيع هذه الدولة إخفاء وجهها العنصري والإجرامي خلف قناع “الديمقراطية” بشكل من الأشكال.
وفي لقاء مع “إنسان أون لاين” يستهجن الدكتور عصام يوسف قيام دولة تعتبر نفسها “ديمقراطية” بطرد موظف في منظمة حقوقية، مشيراً إلى أن ضعف الرواية الإسرائيلية وركاكتها حول مبررات الإجراء ودوافعه، وعدم قدرتها على إقناع الأصدقاء قبل غيرهم بحجتها، بعدما أشارت إلى أن شاكر يدعم نشاطات مقاطعتها، على الرغم من نفي الموظف الحقوقي لذلك، وفيما يلي نص المقابلة:
كيف تنظرون إلى تطور سلوك حكومة الاحتلال تجاه المنظمات الحقوقية بعد قرارها طرد مدير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية من الأراضي الفلسطينية؟
على الرغم من أن القرار الإسرائيلي مستهجن، باعتبار أنه تجاوز صارخ تجاه حقوق الإنسان، وتجاه حرية الرأي، إلا أن هذا القرار غير مستغرب، سيما وأنه يصدر عن كيان يعتبر نفسه دولة “فوق القانون”، يدعمه في ذلك قوى عظمى، من خلال عدم الإلزام باحترام القوانين الدولية، ومن ثم الإفلات من العقاب إضافة لدعمه في مجالات أخرى سياسية واقتصادية بشكل استثنائي، إلى جانب العسكرية حيث يجري تزويده بكافة أنواع الأسلحة الفتاكة التي تجعل منه القوة الوحيدة صاحبة إمكانيات الردع العسكري والإستراتيجي في المنطقة.
لا يمكن لأحد أن يتصور محاربة دولة ديمقراطية للحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، حيث أن هذا الأمر لا يستقيم مع قواعد وأسس النظام السياسي الديمقراطي، بل إنه يتنافى مع هذه القواعد، وهذا بالتالي ما يكشف الوجه الحقيقي لدولة الاحتلال، الذي يسعى للـ”تجمل” رغم ما يخفيه من بشاعة تتلخص ملامحها في العنصرية والإجرام وانتهاكات حقوق الإنسان بشكل واسع.
ما هي حقيقة خلفيات القرار الإسرائيلي برأيكم؟
تكمن حقيقة هذا القرار وخلفياته في عدم قدرة دولة الاحتلال على التصرف على غير طبيعتها العدوانية وعدم ترفعها على الاعتداء على كل من يبين جرائمها وعورتها القانونية، حيث لم تعد قادرة على ترويج صورتها كضحية أمام الرأي العام العالمي، وبأن الفلسطينيين هم شعب مخرّب يسعى لتقويض الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، بل يغلب عليها سلوك الدولة “الهمجية” التي تنتمي للعصور للوسطى، ويظهر ذلك في ممارساتها التي تطفح بالعنصرية تجاه العرب الفلسطينيين في أراضي فلسطين 48، حيث تعاملهم كأقلية منبوذة رغم أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، وتمارس بحقهم التضييق، والاستهداف من خلال ترويج الجريمة وإدمان المخدرات في مجتمعهم، كما تطال عنصريتها غير العرب من اليهود القادمين من أثيوبيا على سبيل المثال، الذين تعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية وربما العاشرة، ما دفعهم للتظاهر مرات عدة للمطالبة بمعاملتهم بشكل متساوٍ مع أقرانهم من الإسرائيليين، وبحقوقهم كمواطنين إسرائيليين.
ومن جانب آخر، هنالك ممارسات عنصرية وإجرامية تمارسها دولة الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال في الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس، من قتل وسجن وتنكيل ومصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، وتصفية متمثلة بإعدامات ميدانية للفلسطينيين بحجج لن تثبت أمام محاكم عادلة، وتنفيذ نظام فصل عنصري، ربما كان جدار الفصل العنصري الذي يقسم الأرض الفلسطينية أحد رموزه، إضافة لحرمان الشعب الفلسطيني من كافة حقوقه الأساسية الإنسانية، ناهيك عما يجري لأهالي القدس من تنفيذ مخططات الاقتلاع من أراضيهم ومصادرة منازلهم، وتقييد حركتهم، ليصل الأمر إلى إجبارهم على هدم منازلهم بأيديهم.
أما ما يحدث بحق قطاع غزة فهو جريمة من نوع مستفحل، من عدوان عسكري متكرر على المدنيين، وحصار جائر مستمر منذ أكثر من 13 عام، أدى لتجويع مليوني إنسان يعيشون في القطاع، واستشهاد أعداد كبيرة من المرضى نتيجة نقص الدواء، والمنع من السفر للعلاج، كما وصلت معدلات الفقر والبطالة في غزة إلى مستويات غير مسبوقة عالمياً، ووضع القطاع على شفير الكارثة الإنسانية، حيث بات معها الحصار وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي يصمت على الجريمة، وعلى ممارسات الجلاد.
ما هي أبعاد تعامل دولة الاحتلال بهذه الطريقة مع منظمة حقوقية دولية بحجم “هيومان رايتس ووتش”؟
أعتقد بأن دولة الاحتلال لم تعد تقيم وزناً لأي منظمة حقوقية وإنسانية سواء كانت محلية أم دولية، فمن المعروف أن عاملين في العمل الخيري والإنساني يقبعون حالياً في سجونها، كما أن نشطاء سياسيين سلميين تعتقلهم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ويقضون فترات طويلة في السجون فقط لأنهم قالوا كلمة الحق الرافضة لقمعهم، وللإجرام الممارس بحق الفلسطينيين.
إسرائيل عدوة لكل من ينطق كلمة الحق في وجه إجرامها، ومن المؤكد بأن “هيومان رايتس ووتش” هي إحدى هذه المنظمات التي لم تستطع أن تغض الطرف عن هذا الإجرام، فانتقدت سجل دولة الاحتلال في مجال حقوق الإنسان، وتبريرها بأن المنظمة تؤيد حركات المقاطعة لإسرائيل، يعتبر أمراً غير مقبول، سيما بعد نفي المنظمة دعوتها للمقاطعة، على الرغم من أن المقاطعة هو أسلوب مشروع سواء كان اقتصادياً أم سياسياً أم ثقافياً أم علمياً، الهدف منه إنهاء الاحتلال والاستيطان، وسرقة موارد ومقدرات الشعوب، وقد أثمرت هذه المقاطعة عن نجاحات واسعة، ولا تزال تحرج الاحتلال في مختلف الميادين والمحافل، وهي تجربة مارستها شعوب عاشت الاحتلال قبل ذلك وأدت إلى تغيير أنظمة ودفع الاحتلال على التراجع عن انتهاكاته ونهبه للأرض وللشعوب.
دولة الاحتلال لم يعد يهمها سوى إسكات صوت منتقديها، ومنعهم من التعبير عن رأيهم، واضطهاد كل من يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني الأعزل، ويكشف الوجه الحقيقي للاحتلال.
مدير منظمة “هيومان رايتس ووتش” الذي تم طرده من الأراضي الفلسطينية، وغيره الكثير من أصحاب الضمير، وممن يمارسون عملهم الحقوقي والإنساني بشكل صحيح ومهني، يعتبرون نموذجاً للشهود على الجرائم الصهيونية، الذين تحاول دولة الاحتلال التخلص منهم كي لا ينقلوا المشهد بواقعية وبحقيقة مجردة.
ما المطلوب من مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الدولية أمام عملية استهدافها بشكل مباشر من جانب دولة الاحتلال؟
المطلوب رفع الصوت عالياً ضد ممارسات الاحتلال الإجرامية، وفضح جرائمه أمام العالم، وتكثيف حملات التوعية تجاه ما يمارسه بحق الشعب الفلسطيني من انتهاكات يومية، بهدف الضغط عليه من أجل التراجع عن ممارساته.
كما أن على المجتمع الدولي اتخاذ كافة الإجراءات لحماية الشعب الفلسطيني، وحماية الأحرار ممن يدافعون عن حقوقه الإنسانية، ومنع من يرتكب الجريمة من الإفلات من العقاب، وهذا أبسط شروط العدالة.

