اقترنت غالبية التحليلات التي تناولت رحلة القافلة التضامنية النسائية إلى غزة أواخر أيلول الماضي بإرسال رسالة للمجتمع الدولي، تحمل في فحواها ضرورة إنهاء معاناة المحاصرين التي طال أمدها، ووصول تداعيات الحصار الإنسانية لحدود لم يعد الصمت إزاءها مقبولاً.
إلا أن الرسائل والأهداف التي تحققت من وراء فعالية إطلاق أسطول الحرية الرابع تجاوزت هذا المحتوى، إلى درجة ربما لا نبالغ إذا قلنا بأنها وضعت مرة أخرى قضية الحصار على القطاع على السكة وفي المسار الطبيعي من ناحية الاهتمام الدولي.
ففي منطقة تعيش دولها تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية منذ عدة سنوات، لا تزال مفتوحة الاحتمالات، لا سيما مع ازدياد حالة التعقيد بزيادة خلط الأوراق، وإعادة تشكيل التحالفات من حين لآخر، وترك الباب مفتوحاً أمام دخول لاعبين إقليميين ودوليين، أدى ذلك بطبيعة الحال إلى أن تقفز قضايا أكثر سخونة إلى الواجهة، وتتراجع معها قضايا أساسية في سلم الاهتمام والتعاطي الدولي.
وقد أتاحت مرحلة إعادة التشكل لمكونات وكيانات سياسية بعد أن أدت لتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، حالة من الارتياح الإسرائيلي لإعادة التموضع السياسي، الذي شمل في جملة ما شمل تسريع الاستيطان والمضي في مشاريع التهويد المنهجي لمدينة القدس وتشديد الحصار على غزة، إضافة لانفتاح شهية دولة الاحتلال لتحقيق استقطابات عربية بهدف ترسيخ هيمنتها سياسياً واقتصادياً في المنطقة.
وعلى الرغم من محاولات الدولة العبرية التقليل من شأن تأثيرات أسطول الحرية4 في المعطى السياسي سواء كان ذلك أثناء الإعلان عن التحضير لإطلاقه، وحتى أثناء إبحاره، إلا أنه كان واضحاً ترقب مستويات عليا لهذه الخطوة لأسباب عدة أهمها احتمالية نجاح جهود المتضامنات اللائي أبحرن بواسطة سفينة “زيتونة” باتجاه غزة في دفع قضية الحصار على القطاع إلى الواجهة مرة أخرى ومزاحمتها لقضايا عربية ساخنة يزداد لهيبها يوماً بعد آخر.
ولا تقف الأمور عند هذا الحد حيث الخشية من أن تعري مبادرة “زيتونة” تاريخاً أسوداً للاحتلال من الانتهاكات والبطش بالشعب الفلسطيني، ولفت الأنظار إلى أن الإرهاب الحقيقي هو ما تمارسه إسرائيل من احتلال وسرقة للأراضي الفلسطينية عبر الاستيطان والجدار والحواجز، وتهويد القدس، والتضييق على فلسطينيي الداخل، إضافة للعدوان والحصار على غزة.
ومن الرسائل الضمنية التي استطاعت “زيتونة” تمريرها للاحتلال وللعالم رسوخ قناعة المتضامنين مع القضية الفلسطينية وإيمانهم العميق بعدالتها وجور الحصار على غزة، لدرجة دفعتهم في السابق، ولا تزال تدفعهم للمخاطرة بحياتهم من أجل نصرة المظلوم، ما يثير حنق الاحتلال وينغص عليه حين يتبادر له في كل مرة بأنه تمكن من إضعاف حالة التضامن هذه مع الشعب الفلسطيني من خلال ضغوطه المستمرة وابتزازه للدول والمؤسسات في مختلف أرجاء العالم، وربما مواتاة الظروف السياسية في هذه المرحلة لذلك.
الزخم التضامني الدولي ساهمت في تحفيزه وتنظيمه مؤسسات إنسانية وحقوقية تناضل في دول الغرب وتنشط في ساحات وميادين مختلفة، لم توفر فيها منبراً للتوعية بمعاناة الشعب الفلسطيني، لدى كافة الأوساط الشعبية، إضافة لممثلي الشعوب في البرلمانات الأوروبية إلا واعتلته، لتثمر عن تأييد صريح من نواب ورؤساء أحزاب سياسية ومؤسسات المجتمع المدني في مناسبات عدة لحقوق الشعب الفلسطيني، إضافة لتوعية قطاعات كبيرة من شعوب أوروبا من التبعات الأخلاقية لتسويق بضائع المستوطنات في أسواقهم، حيث تبلورت في السنوات الماضية حركة مقاطعة شعبية قوية لهذه البضائع لا تزال تنمو وتقوى، وتدب الرعب في قلوب قادة الكيان الإسرائيلي جراء عواقبها على المدى البعيد.
رسائل زيتونة ذهبت بعيداً لتوحد رؤىً سياسية فلسطينية بعدما أجمعت كافة التصريحات لمسؤولين من كافة الطيف السياسي الفلسطيني، بما في ذلك الفرقاء منهم، على أهمية البادرة النسائية التي يناصرون من خلالها المتضامنات، ويحذرون دولة الاحتلال من مغبة المساس بهن، إدراكاً منهم بأن “زيتونة” أصبحت صرخة تدوي في فضاء المجتمع الدولي لتوقظ ضميره الذي طالت غفوته عن معاناة المحاصرين في غزة.
وفي اتجاهات أخرى تبعث “زيتونة” برسالة تنبه فيها إلى ما وصل إليه حال التردي السياسي العربي في ظل صمت جزء كبير منه على الكارثة الإنسانية في غزة، وتوارى جزء آخر خلف الأقنعة المدعية للإنسانية، وآخرون تحوم حولهم علامات استفهام لدور مشبوه في إحكام حلقات الحصار الظالم على أبناء الشعب الفلسطيني في غزة.
أرسلت “زيتونة” رسائلها المباشرة ذات المضامين الواضحة وغير الملتبسة، اتخذت عناوين نصرة المرأة الفلسطينية في غزة كرمزية للشرائح الضعيفة التي تدفع الأثمان الباهظة نتيجة الحصار، وفي ذات السياقات رفض الصمت الدولي على جريمة مكتملة الأركان تُرتكب ضد الإنسانية منذ عشر سنوات، إضافة لتذكير المجتمع الدولي بواجباته الأخلاقية تجاه المحاصرين من أطفال ونساء ومرضى وشيوخ.
كما حملت في الوقت ذاته مضامين غير مباشرة- لم تكن بأي حال من الأحوال عصية على الفهم- من أهمها الدعوة إلى وحدة الفلسطينيين من أجل مواجهة الصلف والإجرام الصهيوني، وكذلك وحدة الأحرار من شعوب العالم من أجل العمل على إنهاء الحصار بكافة الطرق المشروعة، والدعوة لمحاسبة الاحتلال على جرائمه وانتهاكاته بحق الفلسطينيين، وتوقف حكومات الغرب عن التعامل معه كدولة فوق القانون.

