معبر رفح يفتح يومين كل 100 يوم!

ضجت قاعة انتظار المسافرين بصالة أبو يوسف النجار بمدينة خانيونس بصرخات عجوز، أعياها البكاء، وهي تسترحم المسؤولين للسماح لها بالسفر عبر معبر رفح الذي تغلقه مصر على مدار العام، وتفتحه استثنائيا لأيام معدودة.
وعلى مقربة منها تصرخُ فتاةُ أخرى قائلةً: “ضاع مستقبلي”، فيما يحاول عناصر الأمن في الصالة تهدئتهما وإقناعهما أن الأمر ليس بوُسعهم مطلقا؛ ،فهناك أكثر من 10 آلافٍ آخرين يرغبون بالسفر عبر المعبر.
القلق والترقب هما سيدا الموقف في تلك الصالة، فالجميع يُحدق بموظفي التسجيل، ويصغون آذانهم لتلك السماعة التي لا تنفك عن المناداة على المراجعين والمُدرجة أسماؤهم بقوائم السفر.
في داخل الصالة تسللت أشعة الشمس، عبر النوافذ الصغيرة، وكأنها تريد منح الجالسين بصيص أمل، لتختلط تلك الأشعة بأدخنة السجائر التي ينفثها بعض العالقين، لتفريغ ما يكبتونه من ضغوط وأملٍ بالسفر.
وخارج الصالة، ترصد مسافرًا يحمل أوراقه، ويناشد رجل أمنٍ عله ينقذه ويمنحه الإذن بالوصول لموظفي هيئة المعابر ، أو السماح له بالصعود للحافلة، ولكن لا يعلم أن هؤلاء العناصر ليس بمقدورهم سوى حفظ الأمن فقط.

مُستقبل مهدد

مرام بدوان (18 عامًا) طالبة عالقة منذ نحو سنة في غزة، تجلس بجوار والدها ظاهر والذي افترش الأرض، بانتظار سماع اسم ابنته عبر تلك السماعة. ويقول لمراسل وكالة “صفا”: “مرام متفوقة منذ صغرها، ومعدلها لم يقل عن 99%، وحصلت على قبول لدراسة الطب البشري في جامعة الإسكندرية”.
ويضيف بدوان وهو يُمسك بجواز سفرها: “سجلنا اسمها للسفر قبل عام، ولم تُغادر، وحاولنا ثلاث مرات السفر خلال العام الماضي، ولم نتمكن أيضًا لعدم فتح المعبر”.
ويتابع “وصلنا المعبر فجر اليوم على أمل أن تسافر، وتم النداء عليها لتكون في الحافلة الخامسة، لكني لستُ مُطمئنًا حتى تصل المعبر المصري”، مشيرًا إلى أن فصلاً دراسياً فات ابنته، والآخر على الأبواب، وإن لم تُغادر سيتحطم مُستقبلها كما الآلاف أمثالها”.
ويلفت بدوان إلى أن المعاناة التي يعاني منها الشعب بغزة، لا مثيل لها، وما يحدث جريمة بحقنا جميعا، فلا نستطيع اجتياز حدود، من أجل العلاج أو الدراسة أو العمل…”

زوجة عالقة

وعلى مقربة من بدوان، تجلس المُسنة ظريفة أبو الكبيش (55عامًا) من الخليل، وتبكي على حالها، بعدما تجرعت المرار لعامين داخل غزة، في أعقاب قدومها بمعاناةٍ كبيرة لزيارة زوجها المُبعد طلال.
وتقول أبو الكبيش وهي تبكي لمراسل “صفا”: “جئت لأرى زوجي المُبعد، بعد معاناة، واعتقدت ألا تطول عودتي عن عام، لأن الاحتلال كان من المقرر أن يُعيد المُبعدين للضفة بعد عام، لكن مر عامان ولم يحدث شيء، وأرغب بالعودة للضفة، لنجلي المُعاق والبالغ من العمر (35عامًا)”.
وتوضح أنها حاولت السفر ثلاث مرات ولم تتمكن، وخسرت الكثير خلال رحلة قدومها من الضفة للأردن ثم مصر حتى وصلت غزة، وتساءلت: “زوجي قضى (27عامًا) في سجون الاحتلال و (أربعة أعوام) في قطاع غزة، ألا يحق له العودة لعائلته، فيكفيه معاناة”، متمنية فتح المعبر والسماح للمبعدين بالعودة، وللعالقين بالتنقل والسفر.
وبجوار مكتب العاملين في هيئة المعابر، وصلت المُسنة فاطمة الجبري “67سنة” تحمل أوراقها بيدها، وتتكئ على عكاز خشبي، إلى أن وصلت لمكتب التسجيل وسط زُحام الناس، وتستجدي عناصر الأمن ليأخذوا بيدها لحافلة، رغم عدم وجود اسم لها.
وتقول الجبري وهي تتنهد وتتألم: “أشكو من أمراض القلب، والضغط، والسكري”، وأرغب بالسفر للعلاج، والذهاب لأقربائي بمدينة العريش المصرية، وكلما أحضر للمعبر، لم يحالفني الحظ بالسفر، بحجة عدم وصول اسمي في الكشوفات، ومعاناتي تتفاقم باستمرار، وأرغب بالسفر للعلاج، ونشكر مصر لفتح المعبر ليومين، لكنهما غير كافيين، ونحتاج لأسابيع”.
وأعلنت السلطات المصرية فتح معبر رفح لأول مرة هذا العام استثنائياً اليوم وغداً لعبور الحالات الإنسانية في كلا الاتجاهين، وذلك بعد إغلاق دام قرابة شهرين ونصف، في ظل اكتظاظ أعداد المحتاجين للسفر داخل القطاع.

المصدر: صفا