يستعين الشاب محمد النجار بفأس صغير ليضرب به الأرض أمام كرافان حديدي يأويه وعائلته سعيا لفتح قنوات تصريف لمياه الأمطار الغزيرة حتى لا تغرق مسكنه الذي يعوض تدمير منزله في العدوان الإسرائيلي صيف عام 2014 في بلدة خزاعة شرق خان يونس جنوب قطاع غزة.
ويبذل النجار (27عاما) جهده والقلق يعتريه على حال عائلته وهي تقاسي البرد والأمطار، لكن قلقه يتزايد أكثر عند التفكير بوالدته المُسنة المريضة فايزة التي تجاوزت (65عاما).
وسرع النجار عمله في سبيل ضمان عدم غرق كرافان الإيواء المُشيد من “الصفيح/الزينجو”، كما حدث في مرات سابقة، بعد أن دخلت المياه لداخله من السقف والجدران والأرضية ما أدى لتضرره.
كما أنه لجأ إلى وضع أثواب بلاستيكية فوق الكرافان بالكامل من كافة جوانبه للحيلولة دون دخول مياه الأمطار لداخله لأن تصميه الحالي ووضعه بهذه الطريقة على الأرض مباشرة من دون أي ارتكازات خراسانية أرضية، تسبب بدخول مياه الأمطار أكثر من مرة لداخله من الأرضية وانهيارها.
ووضع النجار مكعبات خراسانية صغيرة أسفل غرفة نوم أطفاله بعدما انهارت الأرضية في وقت سابق لمنع سقوطها للأسفل، ووضع فوق تلك المُكعبات قطعا قُماشية بالية لسد الثغرات، ولمنع سقوطهم بها أثناء السير فوقها فيما اضطروا للسير بحذر شديد كي لا تقع أو يقعوا هم بها.
معاناة لا حصر لها
ويقول النجار: “وضعنا صعب جدًا داخل هذه الكرافانات، التي تكون في فصل الصيف أشبه (بفقاسات الدواجن، والشتاء بثلاجات الموتى!)، وكلما جاء فصل الشتاء، أو سقطت كميات من الأمطار، تتجدد وتتفاقم معاناتنا، المتفاقمة بالأساس لتأخر إعمار منازلنا المُدمرة”.
ويُضيف بنبرات غاضبة “عندما تسقط الأمطار يُصبح همنا الوحيد كيف نعمل على منعها من الدخول للكرافان، فتارة نتفقد سطحه وأخرى نتفقد أرضيته وجدرانه وتارة نقوم بشق قنوات تصريف للمياه حتى لا تتجمع أو تتدفق لداخل الكرافان”.
كل ذلك يتم والرجل يفكر بمصير أطفاله المتواجدين بداخل الكرافان وهم يصرخون ويبكون هكذا هو الحال.
ويشير إلى أنه “حدث أكثر من مرة تماس كهربائي في داخل الكرافان نتيجة تسرب للمياه داخله ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي وبعد ذلك كلمات يأتي وقت المطر، نفصل التيار حتى لا يحدث أي مكروه”.
وينبه إلى أن الكرافان غير صالح للسكان وأصبح مُتهالك ويُفاقم من معاناتهم.
ويناشد النجار ووالدته المريضة التي أمسكت بيدها “قشاطة” خشبية “ممسحة”، لإزاحة المياه من أمام الكرافان، الجهات المعنية بضرورة الإسراع في إعمار منزلهم، وتخليص من “الجحيم” الذي يعيشون به “حسب وصفهم”، أسوة ببقية المنازل التي تم المباشرة بإعادة بنائها ضمن مشاريع عربية ودولية.
حياة مرة!
ويتجسد الواقع ذاته لدى رندة النجار (39 عامًا”،) التي هربت من خيمتها البلاستيكية وأطفالها وبعض النسوة من داخل بعض الكرافانات إلى مخازن خراسانية بُنيت حديثًا مكان منزل تم تدميره لحين انتهاء الأمطار والعودة للمكان الضيق الذي يؤويها وأسرتها البالغ عددهم “أحد عشر” فردًا.
وجلست رندة والنسوة يقمنّ بطهي خبر الصاج بعدما أوقدنا النيران للتدفئة ثم لجاءوا لاستغلالها للطهي وتجمعت هي وأطفالها وبعضًا من سكان حي الكرافانات من حولها، وبدأ بعضهم يتناول إفطاره من ذاك الخبز مباشرة مع قليل من الطعام المتوفر لديهم.
وتقول النجار لـمراسل “صفا” إنها هربت من داخل الخيمة البلاستيكية لعدم مقدرتها على تحمل الجلوس بداخلها فلجأت للجلوس مع جيراني اللواتي خرجنّ من الكرافانات وأشعلنّ النار للتدفئة وطهي خبز الصاج لعدم توفر تيار كهربائي باستمرار داخل الكرافانات، وإن أتي يكون ضعيفًا ليس لديه قدرة على طهي الخبز.
وتقول النجار “نريد حلا لحياتنا الصعبة وإنهاء للمأساة التي نعيشها والنظر بعين الرحمة لنا والعمل على بناء منازلنا المُدمرة بأسرع وقت (..) نحن ذقنا المر يكفي ذلك على الجميع أن يراعي ويشعر بما نشعره ونمر به”.
ولا يختلف حال المُسنة حسنة النجار (75 عامًا) التي خرجت هي الأخرى من الكرافان لتجلس برفقة النسوة لطهي الخبز داخل مخازن منزلها الذي أعيد بناء جزءًا منه ولم يكتمل حتى تهدأ الأمطار.
وتشدد المسنة حسنة على مطالبتها بالعمل على إنهاء معاناتهم ومساعدتهم في إتمام تعمير ما تبقى من منزلهم حتى يغادروا كرافانات الإيواء.
وتشهد عمليات إعادة إعمار قطاع غزة تعثرا مستمرا بعد مرور نحو 15 شهرا على انتهاء العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع صيف العام الماضي في ظل قيود الاحتلال على توريد مواد البناء ونقص الدعم الدولي.
وخلف العدوان الإسرائيلي الذي استمر على مدار 51 يوما في شهري يوليو وأغسطس من العام الماضي، هدم عشرات الالاف المنازل السكنية ما بين هدم كلي وجزئي بالغ عوضا عن دمار هائل في البني التحتية.

